سهيلة عبد الباعث الترجمان

400

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

ويعني بذلك أنه " ما يبطن أمر إلا ويظهر مقابله ، ولا يظهر أمر إلا ويبطن مقابله أبد الآباد . ولا سيما وقد سمي الحق أزلا بأنه الظاهر والباطن ، ولا يحمل على محمل النسب والإضافات ، هذا هو النظر العقلي من طريق التنزيه ، وإنما ينفي أن يحمل على أنه أمر ذاتي ، هو عين المطلوب الموصوف بالوجه الذي يليق وتعرفه من نفسه " « 1 » . وجملة القول ، فإن ما نراه لدى ابن عربي أنه لا وجود للزمان بمعناه المادي المعروف ، إنما توهمه العقل بفعل تحديده لوجود الموجودات ، وتكوين الكائنات ، وهو في حق الحق لا زمان ، لأنه تعالى أزلي لا أول له كبداية ولا آخر له كنهاية ، إنما هو الوجود الذي به تحقق وجود كل موجود ، فتعين بذلك الوجود للموجود بالوقت تمييزا له عن موجود آخر . فكان وجوده في الزمان ، أما أزلية الحق فلا تتطلب الزمان وينتفي عنها كل تحديد بالوقت والأوان ، فلا قبلية ولا بعدية تحده ، ولا معية تربطه بوجود المحدثات ، بل هو الذي أوجدها من علمه العيني إلى علمه الوجودي بعد أن كانت مقدرة أزلا في علمه تعالى : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ « 2 » . بعد أن عرضنا لمذهب ابن عربي في جوانبه المختلفة ما يتعلق منها بالحق منفردا وما يتعلق بالخلق ، أو ما يتعلق بالحق والخلق معا باعتبارهما وجهي الحقيقة الوجودية كما يرى ابن عربي في مذهبه ، نتساءل : ما دور الإرادة الإنسانية في هذا المذهب ؟ وما معنى الحرية الإنسانية في عالم خاضع بكليته لقانون الوجود العام ، وصادر عن اللّه ؟ وهل يقوم مذهبه على الحرية أم أنه من القائلين بالجبرية ؟ . رابعا : الجبرية أو الحتمية في مذهب ابن عربي : تظهر الجبرية عند ابن عربي من خلال مواقفه الأخلاقية التي نشأت عن نظريته في وحدة الوجود . ولكنها ليست جبرية مادية منفصلة عن العقل كليا بل هو نوع من الانسجام الأزلي بين ذات فاعلة وذوات منفعلة خاضعة لها ، فهي لا تشبه جبرية غيره من المسلمين التي تفترض وجود اللّه والعالم لأنه يدين بحقيقة وجودية

--> ( 1 ) ابن عربي ، ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق ، ص 169 . ( 2 ) سورة الحديد ، الآية : 3 م .